أحمد بن علي القلقشندي
35
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * ( 1 ) . وأمره أن يضفي على من قبله من أولياء أمير المؤمنين وجنوده ، أصناف جلابيب الإحسان ، وبروده ؛ ويخصّهم من جزيل حبائه بما يصلون منه إلى أبعد المدى ، ويملكون به نواصي الآمال ويدركون قواصي المنى ؛ ويميّز من أدّى واجبه في الطاعة وفرضه وأبدى صفحته في الغناء بين يديه بمزيد من الاشتمال يرهف بصيرة كلّ منهم في التوفّر على ما وافقه ، ووصل بأنفه في التقرّب إليه سابقه ، ويدعو المقصّر إلى الاستبصار في اعتماد ما يلحق فيه رتبة من فازت في الحظوة قداحه ، وفاتت الوصف غرره في الزّلفة وأوضاحه : ليمرح به في الاغتذاء بلبان النّعمة ، كما انتهج جدده في إحسان الخدمة ، وأن يرجع إلى آراء ذوي الحنكة منهم مستضيئا بها مسترشدا ، وطالبا ضوالّ الرأي الثاقب ومنشدا ؛ وقد بيّن اللَّه فضل المشورة التي جعلها للألباب لقاحا ، وفي حنادس ( 2 ) الشّكوك مصباحا ؛ حيث أمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بها ، وبعثه منها على أسدّ الأفعال وأصوبها ؛ فقال تعالى : * ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ) * ( 3 ) . وأمره أن يعدل في الرّعايا قبله ، ويحلَّهم من الأمن هضابه وقلله ، ويمنحهم من الاشتمال ، ما يحمي به أمورهم من الاختلال ، ويحوي به من طيب الذّكر بحسب ما اكتسب من رضيّ الأنحاء والخلال ؛ ويضفي على المسلم منهم والمعاهد من ظلّ رعايته ما يساوي فيه بين القويّ والضّعيف ، ويلحق التليد منهم بالطَّريف : ليكون الكلّ وادعين في كنف الصّون ، راجعين إلى اللَّه تعالى في إمدادهم بالتوفيق وحسن الطاعة والعون . وأن ينظر في مظالمهم نظرا ينصر الحقّ فيه ، وينشر علم العدل في مطاويه ، وينصف معه بعضهم من بعض ، وينصب ( 4 ) به
--> ( 1 ) البقرة / 44 . ( 2 ) جمع حندس وهي الظلمة ( 3 ) آل عمران / 159 . ( 4 ) يقال : أنصبه أي جعل له نصيبا .